
يخطئ من يظن أن هدف الفن مجرد الزينة والتجميل، فهو ذو رسالة أسمى من ذلك وأرفع، إن له دوراً إيجابياً في الكشف عن النفس الإنسانية، وسبر أغوارها البعيدة، والنفاذ إلى أسرارها الدفينة، إنه تعميق الشعور بالحياة والتفطن إلى ما هو خفي من العواطف والمشاعر. ولا شك أن الفن يزيد الإنسان معرفة بنفسه، وإدراكاً للحياة من حوله، ويفتح الفنان قلبه على دنيا الناس الذين يعيش معهم، ويقيم التعاطف بينه وبينهم. ويتيح للإنسانية آفاقاً جديدة من الرقي والتقدم. فالفن كالهواء لا مكان له ولا حدود له، إنه أداة لحل المشكلات الفعلية التي تطرأ على حياة الإنسان، والفنان الحق هو الذي يحقق ذاته ويواجه مشكلات المجتمع ويتصدى لها بالإيجابية، ويسهم بدور حقيقي في حياة الناس، باعتباره نموذجاً حياً للفكر المتعمق والثقافة الشاملة
ان الفن ينمو عند الإنسان تلقائياً شأنه شأن وسائل التعبير الأخرى كاللغة والكتابة من حيث ان له عناصر تعبيرية مختلفة، وأن أدواته الفكر والإدراك والعمل الجسمي، وهو جزء من العملية التربوية المتعلقة بالتطور الإنساني في العلم والمعرفة، وكشيء متمايز عن الأنشطة الأخرى وله وظائف سيكولوجية وفسيولوجية، ويعتبره علماء النفس والفسيولوجيا شيئاً مهماً في حياة الإنسان، والفن وجد بواقع مميز بحياة الإنسان لا يمكن الاستغناء عنه، فهو يوفر للحواس أكبر قدر من الراحة النفسية وفيه تبزغ المواهب الفنية ويكتسب الإنسان وعياً بتذوق الجميل ومعرفة القبيح، وقد يقاسي معظم أطفالنا من الحرمان في ممارسة نشاطاتهم الفنية في البيت والمدرسة بسبب الإهمال من قبل آبائهم وأمهاتهم، وكثير من الناس لم يكونوا قد تعلموا كيف يستفيدون من وقت فراغهم في تنمية تفكيرهم وخيالهم وذوقهم وإحساسهم في الفن
ومع ما سبق ذكره من فوائد إلا أنه وللأسف نجد التربية الفنية ما زالت هي المقرر المظلوم بين المقررات الدراسية في مدارسنا، وكذلك بين أفراد المجتمع، وما زال وعي المجتمع بأهمية المادة لا يذكر، والذي لا يعرف عنها كما يسميها البعض إلا أنها شخبطات بالألوان لا فائدة ترجى منها، ولكن هناك عدة أهداف خفية في تدريس التربية الفنية والكثير لا يعلمها، ولا ألوم أحيانا المجتمع لعدم إدراكه لهذه الأهداف، فقد ساهم بعض معلمي المادة في هز صورة المادة بسبب عدم عمله على تحقيق أهداف التربية الفنية، سواءً المعلنة أو الخفية التي تأتي ضمناً أو في ثنايا الدروس، إما بسبب جهله بها أو بسبب تجاهلها قصداً.. ولن أتحدث عن أهداف التربية الفنية الصريحة والمعروفة، إنما سأشير بإشارات سريعة حول الأهداف الخفية والتي نستخلص منها فوائد عظيمة في دروس التربية الفنية والتي يستفيد منها الطالب في مسيرة حياته ومستقبله
فقد رأت مارجريت نومبيرج المربية والعالمة النفسية «أن التربية الفنية هي تنمية قدرات النشء العقلية والمعرفية، والبصرية كي يصبحوا قادرين على التكيف الاجتماعي، وما يرتبط بذلك من قيم جمالية وثقافية»، وأشارت إلى الرغبات والحاجة النفسية وإلى التنفيس عن المكبوتات وناقشت مصادر الانفعالات، وأوضحت الشعور واللاشعور وأثر كل تلك العوامل على تصرف الشخص؛ فألفت كتاباً بعنوان «الطفل والعالم» «The Children and the World» وصورت فيه معاناة الطفل والضغوط الصارمة التي يلاقيها في البيت والمدرسة، وأكدت على أن دروس التربية الفنية لو قدمت بشكل أفضل فستسهم في التخفيف عن الطفل؛ كونها تعطيه الفرصة للتعبير عن ذاته والتنفيس عما بنفسه. فأصبح للتربية الفنية دور في تحقيق التوازن النفسي والعلاج الوقائي للطفل بهدف تحقيق الصحة العقلية.
لذا نجد أن من أهداف التربية الفنية الخفية أنها تتيح الفرصة للتلاميذ للتنفيس عن الضغوط النفسية كالألم والغضب والخوف وتحويلها إلى فعل يساعد على تخفيف الانفعالات الحادة، والتي لا يمكن التعبير عنها باللفظ أو في المجالات والمواد العلمية الأخرى التي يمارسها في المدرسة
وللتربية الفنية أهداف تربوية أخرى تمكن الطفل من تكوين علاقات حساسة أكثر في بيئته ومجتمعه وينمو الفن مع الأطفال طبيعياً ويكون أكثر جمالاً ومتعة، حيث يجد الطفل في الرسم مخرجاً للتنفيس عما هو بداخله وينسى كل همومه ومشاكله